سيد محمد طنطاوي
324
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
حاضر ناظر لهم ، بخلاف المؤمنين ، فالحجاب : مجاز عن عدم الرؤية ، لأن المحجوب لا يرى ما حجب ، أو الحجب المنع ، والكلام على حذف مضاف . أي : عن رؤية ربهم لممنوعون فلا يرونه - سبحانه - . واحتج مالك - رحمه اللَّه - بهذه الآية ، على رؤية المؤمنين له - تعالى - ، من جهة دليل الخطاب ، وإلا فلو حجب الكل لما أغنى هذا التخصيص . وقال الشافعي - رحمه اللَّه - : لما حجب - سبحانه - قوما بالسخط دل على أن قوما يرونه بالرضا . . « 1 » . وقوله - سبحانه - : * ( ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ ، ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِه تُكَذِّبُونَ ) * بيان للون آخر من سوء مصيرهم . أي : أن هؤلاء المكذبين سيكونون يوم القيامة محجوبين عن رؤية اللَّه - تعالى - لسخطه عليهم ، وممنوعين من رحمته ، ثم إنهم بعد ذلك لداخلون في أشد طبقات النار حرا . . ثم يقال لهم بواسطة خزنة جهنم على سبيل التقريع والتأنيب ، هذا هو العذاب الذي كنتم به تكذبون في الدنيا ، وتقولون لمن يحذركم منه : مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ . فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة قد اشتملت على أشد ألوان الإهانة لأنها أخبرت أن هؤلاء المكذبين : محجوبون عن ربهم ، وأنهم مقاسون حر جهنم ، وأنهم لا يقابلون من خزنتها إلا بالتيئيس من الخروج منها ، وبالتأنيب والتقريع . وكعادة القرآن الكريم في قرن الترهيب بالترغيب ، والعكس ، ساقت السورة الكريمة بعد ذلك ، ما أعده - سبحانه - للأبرار من خير وفير ، ومن نعيم مقيم ، فقال - تعالى - : [ سورة المطففين ( 83 ) : الآيات 18 إلى 28 ] كَلَّا إِنَّ كِتابَ الأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ( 18 ) وما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ ( 19 ) كِتابٌ مَرْقُومٌ ( 20 ) يَشْهَدُه الْمُقَرَّبُونَ ( 21 ) إِنَّ الأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ ( 22 ) عَلَى الأَرائِكِ يَنْظُرُونَ ( 23 ) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ ( 24 ) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ ( 25 ) خِتامُه مِسْكٌ وفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ ( 26 ) ومِزاجُه مِنْ تَسْنِيمٍ ( 27 ) عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ( 28 )
--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 30 ص 72 .